أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

19

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بالفساد والإمعان فيه من بغى الجرح إذا ترامى للفساد ولذلك قال الزجاج : « إنّه الترقّي في الفساد » وقال الأصمعي أيضا : « بغى الجرح ترقّى إلى الفساد ، وبغت المرأة فجرت » . قال الشيخ : « ولا يصح أن يقال في المسلمين أنهم باغون على الكفرة » ، إلا أن ذكر أن أصل « البغي » هو الطلب مطلقا ، ولا يتضمن الفساد فحينئذ ينقسم إلى طلب بحق وطلب بغير حق . قلت : وقد تقدم أن هذه الآية ترد على الفارسي أن « لمّا » ظرف بمعنى حين ، لأن ما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها ، وإذا قد فرض كون « لمّا » ظرفا لزم أن يكون لها عامل . قوله : مَتاعَ الْحَياةِ قرأ حفص « مَتاعَ » نصبا ، ونصبه على خمسة أوجه : أحدها : أنه منصوب على الظرف الزماني نحو : مقدم الحاجّ ، أي : زمن متاع الحياة . والثاني : أنه منصوب على المصدر الواقع موقع الحال أي : متمتعين ، والعامل في هذا الظرف وهذه الحال الاستقرار الذي في الخبر وهو عليكم ، ولا يجوز أن يكونا منصوبين بالمصدر ، لأنه يلزم منه الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر . وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام « 1 » صلته . والثالث : نصبه على المصدر المؤكد بفعل مقدر أي : يتمتعون متاع الحياة . الرابع : أنه منصوب على المفعول به بفعل مقدر يدل عليه المصدر أي : يبغون متاع الحياة الدنيا ، ولا جائز أن ينتصب بالمصدر لما تقدم . الخامس : أن ينتصب على المفعول من أجله ، أي : لأجل متاع ، والعامل فيه إما الاستقرار المقدر في « عليكم » وإما فعل مصدر ، ويجوز أن الناصب له حال وجعله ظرفا أو حالا أو مفعولا من أجله بنفس البغي لا على جعل « عَلى أَنْفُسِكُمْ » خبرا بل على جعله متعلقا بنفس البغي والخبر محذوف ، لطول الكلام والتقدير : إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة مذموم أو مكروه أو منهي عنه وقرأ باقي السبعة « متاع » بالرفع وفيه أوجه : أحدها - وهو الأظهر - : أنه خبر « بَغْيُكُمْ » و « عَلى أَنْفُسِكُمْ » متعلق ب « البغي » ، ويجوز أن يكون « عليكم » خبرا ، و « مَتاعَ » خبرا ثانيا ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي : هو متاع ومعنى : « عَلى أَنْفُسِكُمْ » أي : على بعضكم وجنسكم كقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ « 2 » - وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ « 3 » ، أو يكون المعنى : إنّ وبال البغي راجع عليكم لا يتعداكم ، كقوله : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها « 4 » - وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها « 5 » . وقرأ ابن أبي إسحاق « متاعا الحياة » بنصب « متاعا » ، و « الْحَياةِ » ف « متاعا » على ما تقدم « 6 » ، وأما « الْحَياةِ » فيجوز أن يكون مفعولا بها والناصب لها المصدر ، ولا يجوز - والحالة هذه - أن يكون « متاعا » مصدرا مؤكدا ، لأن المؤكد لا يعمل « 7 » ، ويجوز أن ينتصب « الحياة » على البدل من « متاعا » ، لأنها مشتملة عليه . وقرىء « متاع الحياة » بجر « متاع » وخرجت على النعت ل « أَنْفُسِكُمْ » ولا بد من حذف مضاف حينئذ تقديره : على أنفسكم ذوات متاع الحياة كذا خرّجه بعضهم ، ويجوز أن يكون مما حذف منه حرف الجر وبقي عمله أي : إنما بغيكم على أنفسكم لأجل متاع ، ويدل على ذلك قراءة

--> ( 1 ) أنظر سورة آل عمران آية ، ( 11 ) . ( 2 ) سورة النساء آية ، ( 29 ) . ( 3 ) سورة الحجرات آية ، ( 11 ) . ( 4 ) سورة الإسراء آية ، ( 7 ) . ( 5 ) سورة فصلت آية ، ( 14 ) . ( 6 ) في قراءة حفص . ( 7 ) أنظر إعراب الشواذ ( 1 / 337 ) .